رحلتك مع الوسواس القهري: من الفهم إلى التعامل والدعم
أتطرق في هذا المقال والمقالات القادمة إلى مفهوم الوسواس القهري وآثاره على من يعاني منه وعلى المحيطين به، خاصة أولئك الذين يحاولون المساعدة لكن يفتقدون المعلومات والخبرة الكافية، مما يجعلهم يقفون عاجزين مكتوفي الأيدي أمام معاناة أحبّائهم.
تعريف الوسواس القهري لغويًا
الوسواس مأخوذ من الفعل “وسوس”، أي حديث النفس المتكرر والأفكار التي تراود الإنسان باستمرار. وفي المعجم: “الوَسْوَسَة والوِّسْوَاس: حديث النفس… ويُقال وسوست إليه نفسه وسوسة ووِسْواسًا”. أما القهري، فهو مأخوذ من “قهر”، أي الإجبار أو السيطرة بالقوة. القهري إذًا يشير إلى أن الفعل أو الشعور يُفرض على الشخص رغمًا عنه.
إذًا الوسواس القهري هو أفكار مزعجة ومتكررة تجبر الشخص على القيام بسلوكيات معينة أو التفكير بها، وكأنها خارجة عن إرادته.
التعريف العلمي
الوسواس القهري هو اضطراب نفسي يختبر فيه الشخص أفكارًا متكررة ومزعجة (وساوس) ويشعر بالحاجة إلى أداء أفعال أو طقوس معينة (أفعال قهرية) لتخفيف القلق الناتج عن هذه الأفكار.
أمثلة من الحياة اليومية
لنأخذ بعض الأمثلة للتقريب:
عليّ يشعر دائمًا بالقلق من الجراثيم. قبل لمس أي شيء، عليه أن يغسل يديه عدة مرات، وإذا لم يفعل يشعر بتوتر شديد. هذا النوع يُعرف بـ وسواس النظافة.
سارة تشك باستمرار إذا كانت قد أغلقت الباب أو أطفأت الغاز، فتعود لتتفقد ذلك مرات عديدة قبل الخروج. رغم تأكدها في كل مرة، إلا أنها لا تستطيع مقاومة الرغبة في التحقق. هذا يسمى وسواس التأكد.
محمد يحب ترتيب كتبه وأدواته بدقة شديدة ويشعر بعدم الارتياح إذا لم تكن في مكانها الصحيح، ويعيد ترتيبها مرات كثيرة قبل أن يشعر بالراحة. هذا وسواس الترتيب والعد.
ليلى تخاف من إيذاء الآخرين رغم أنها لا ترغب بذلك. تراودها أفكار مزعجة تشعرها بالذنب والخوف، فتحاول إبعاد الأدوات الحادة عنها مرارًا. هذا وسواس الأفكار المزعجة.
ملامح الوسواس القهري
تتسلل إلى ذهن المصاب أفكار متكررة لا تهدأ، تثير القلق والخوف في كل لحظة. يشعر وكأن قوة داخلية تجبره على التفقد المستمر أو التنظيف المفرط أو العد المتكرر أو أداء أفعال متكررة. ورغم إدراكه لعدم منطقيتها، يجد صعوبة كبيرة في السيطرة عليها، وكأنها تسلب منه راحته وطمأنينته، وتستحوذ على يومه فتعيق حياته الطبيعية وعلاقاته بالآخرين.
الوسواس الديني
الوسواس الديني هو نوع من الوسواس القهري تتركز فيه الأفكار المزعجة على الدين. يشعر الشخص بخوف شديد من ارتكاب الذنوب أو مخالفة التعاليم، ويكرر العبادات أو الطقوس لتخفيف القلق. تشير الأبحاث إلى أن نحو 30٪ من المصابين بالوسواس القهري يعانون من وساوس دينية.
كيفية التعامل مع الوسواس
من المهم تشجيع الشخص على طلب المساعدة من طبيب أو مختص نفسي، مع تعليمه طرق الاسترخاء وتقنيات التحكم في القلق مثل التنفس العميق أو تمارين اليقظة الذهنية. كما يمكن مساعدته على تقسيم المهام أو الطقوس بشكل يقلل من الضغط والإجهاد اليومي.
كيفية دعم من يعاني من الوسواس
الاستماع بصبر إلى الشخص دون السخرية من أفكاره أو أفعاله هو بداية الدعم الحقيقي. يُفضَّل تقديم المساندة العاطفية بدلًا من الانتقاد، وتشجيعه على التقدم خطوة بخطوة دون الضغط عليه للتوقف المفاجئ عن طقوسه. كما أن نشر المعلومات الصحيحة عن الوسواس القهري يخفف شعوره بالوحدة والخجل، ويمنحه الأمل في التعافي.
ختامًا
في المقالات القادمة، سنتناول طرق العلاج السلوكي مع استخدام اليقظة الذهنية في التعامل مع الوسواس القهري الديني، وهي طرق يمكن تطبيقها أيضًا على مختلف أنواع الوساوس والأفكار القهرية.

